أبي هلال العسكري

242

الصناعتين ، الكتابة والشعر

ومنه قوله تعالى : كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ؛ والجامع بين الأمرين خلوّ الأجساد من الأرواح ؛ والفائدة الحثّ على احتقار ما يؤول به الحال . وهكذا قوله سبحانه : كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً ؛ فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد ؛ والفائدة التحذير من حمل النفس على التغرير بالعمل على غير أس . والوجه الرابع : إخراج ما لا قوّة له في الصفة على ما له قوة فيها ؛ كقوله عزّ وجلّ : وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ؛ والجامع بين الأمرين العظم ، والفائدة البيان عن القدرة في تسخير الأجسام العظام في أعظم ما يكون من الماء . وعلى هذا الوجه يجرى أكثر تشبيهات القرآن ، وهي الغاية في الجودة ، والنهاية في الحسن . وقد جاء في أشعار المحدثين تشبيه ما يرى العيان بما ينال بالفكر ، وهو رديء ، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدّقة ، وهو مثل قول الشاعر « 1 » : وكنت أعزّ عزّا من قنوع * يعوّضه صفوح من ملول « 2 » فصرت أذلّ من معنى دقيق * به فقر إلى فهم « 3 » جليل وكقول الآخر : وندمان سقيت الرّاح صرفا * وأفق اللّيل مرتفع السّجوف صفت وصفت زجاجتها عليها * كمعنى دقّ في ذهن لطيف فأخرج ما تقع عليه الحاسّة إلى ما لا تقع عليه ، وما يعرف بالعيان إلى ما يعرف بالفكر ، ومثله كثير في أشعارهم .

--> ( 1 ) ديوان أبى تمام : 503 . ( 2 ) في الديوان : صفوح عن جهول . ( 3 ) في الديوان : إلى معنى .